سماء ملبدة بالأرانب
س= قصة قصيرة
رفع مهاب رأسه نحو السماء، تكثّفت الكتل البيضاء على امتدادها منذرةً بهطول الأرانب. وثَب وثبة ساعده جسده الهزيل وقدماه الطويلتان على احتمالها، واحتمى بمدخل المبنى قبل أن يسقط الأرنب الأول. التفت نحو الشارع الذي بدأت مصابيحه بإغلاق أعينها أمام شمسٍ تستيقظ على استحياء، وبالفعل سقط الأرنب هناك، حيث كان منذ ثانية فقط، ومن حوله بدأت الأرانب تنهمر تباعًا، على أسقف السيارات، وداخل صفائح القمامة، وتقلّصت مساحة الأسفلت السوداء أمام غزو الفرو الأبيض.
كانت السحب تتمخّض عن الأرانب الواحد تلو الآخر، راقبها تنقسم كورًا بيضاء، تهوي فينبت لها أُذنان، وقوائم أربع تتمطى للأسفل بعد سباتٍ، ثم تعود لتنكمش استعدادًا للسقوط. كان منظرها يوحي بخفة تغريه أن يرفع رأسه وينفث في الهواء لتتطاير من حوله كالبالونات، لكن الكدمة التي سببها أرنب أول أمس، أسفل رقبته جعلته يصرف النظر.
نظر في ساعته، ثم عدّل وضعية حقيبته الجلدية وتأكد من إحكامها، وانطلق يصعد السلم الرخامي، درجة فدرجتين. خذلته أنفاسه عند الطابق الرابع، استند بيده على الجدار، الذي اعتاد على هذا الهزيل الذي لا تتحسن لياقته رغم أنه يفعل ذلك ستة أيام في الأسبوع، منذ الشتاء الماضي. وهنا لاحظ باب العيادة النفسية المصبوغ بلون أزرق فاتح، تتوسط أعلاه لوحة خشبية أنيقة انسابت الحروف محفورة فيها: الدكتور هشام الويجي.
الاختلاف الوحيد هو أنه وجد الباب مفتوحًا قبل موعده، وأوقفه هذا في مكانه، كان دومًا ما يجد الباب مفتوحًا عند نزوله وقت استراحة الغداء، ولكن خلال السنة التي عمل بها هنا، لم يكن الباب مفتوحًا وقت وصوله أبدًا.
مد رأسه ورمى بطرف عينه عبر الباب المفتوح خشية أن يجد موظفة الاستقبال التي تلوك العلك كسفينة تتلاعب بها أمواج اللّعاب، أو الدكتور نفسه، وكان هذا ليكون السيناريو الاسوأ.
فقد تقابلا مرة واحدة فقط ضمن إطار رسمي، أما بقية المرّات فكان أن تصادف خروج مُهاب بعد عمل امتد لمنتصف الليل ليلمح الدكتور الذي ظن المبنى خاليًا ليفعل ما يشاء مع إحداهن، وغالبًا ما تكون هي نفسها موظفة الاستقبال. وفي كل مرة كان مُهاب يضطر للتسلل لتجنّب إحراج المواجهة.
لكن هذه المرة كان الصمت من دعاه، فخطا للداخل ليجد نفسه مقابلًا الفراغ الذي استغل الفرصة وأخذ يرتع بين مجموعة الكراسي الزرقاء المصطفة كالمعاقبين بطول الجدران البيضاء، والمجلات الراقدة فوق بعضها البعض على الطاولات المربّعة المستنسخة في الزوايا.
ثم لمح الظل وراء باب مكتب الدكتور، اقترب فلمح الرجل جالسًا خلف المكتب، محنيّ الظهر في قميص مخطط، مستندًا بمرفقيه على السطح الخشبي، وبين أصابعه إطار صورة استعاد مُهاب ملامحها التي التقطها يومًا في عقله اللاواعي، عندما جاء يسلّم الدكتور تقاريرًا من المختبر. صورة لابنته بجانب درّاجتها.
وقف هناك برهةً ينظر للمشهد، كان وجه الرجل الجالس أشبه ببالون قديم تسرّبت من مسامه الروح حتى تهدّلت ملامحه، وارتخت ذراعاه. ووراءه كانت المكتبة العريضة، وبابها الزجاجي النظيف الذي عكس المشهد، وعرّى تفاصيله. ثوانٍ مضت حتى أدرك مُهاب ماحدث بالداخل، ووجد نفسه بإرادته، يخطو نحو الباب، طرقه طرقة واحدة بمفصل إصبعه، فانتفض الرجل الجالس أمامه.
اعتذر مُهاب: آسف.
جاء صوت الرجل حادًا: من أنت؟!
ظل مُهاب مكانه: لدي موعد.
لوّح بيده: العيادة تفتح في.. الــ عاشرة، عد لاحقًا.
- أعلم ذلك، لكنني لا أستطيع.. أرجوك، السماء تمطر بالخارج.
أشار الرجل بيده للمظلة الوحيدة في العيادة التي خالفت قاعدة الأزرق والأبيض بسوادها: خذها وعد بها عن العاشرة.
تقدم مُهاب برأسه فقط عبر إطار الباب ونظر للنافذة العريضة حيث أمطار الفرو الأبيض:
لن تحميني المظلة من الأرانب.
التفت الرجل حيث عَلق بصر مهاب: أي أرانب؟
- إنها تمطر بالأرانب منذ الشروق، لن أستطيع الخروج حتى تتوقف.
حدّق الرجل بارتباك، فعاد مُهاب يحاول: من فضلك، لقد أصابني إحداها أول أمس، ولاتزال الكدمة تؤلمني، لن أخرج حتى تتوقف.
نقّل الرجل بصره بين النافذة والشاب أمامه، ثم جازف ورمى بنظرة لما تحت قدميه وهو ينقر على الطاولة بأطراف أصابعه التي اصطبغ تحت بعضها بالأحمر الدامي.
بادر مُهاب وجلس على المقعد بجانب الباب،والتفت محدّقًا نحو النافذة حيث قابله أرنب هوى مقلوبًا، والتقت عيناه بالجمرتين المتوهجتين وسط البياض: إنها علامة موت قريب.
التفت الرجل للنافذة حيث يحدق مُهاب: الأ.. رانب؟
أومأ مُهاب.
- إنذرًا بموتك؟
- تمنيت ذلك كثيرًا، لكنه إنذار عام بالموت، شخص ما في مكان ما.
لوّح الرجل: موت قطة؟ كلب شوارع..؟
- لا لا، البشر فقط حمدًا لله، وإلا لم تكن السماء لتتوقف.
مرر الرجل يده في خصلات شعره المبتلة: متى أول مرة رأيت فيها أرنبًا؟
تذكرت يدا مهاب التي عقدها في عناقٍ قاسٍ ملمس الأرنب الأول، الذي استقر في حضنه يوم زاروا جدته في البَلَد، فقد جلس على عتبة الباب الحجرية غير عابئ بفضلات الحمام من حوله، والرياح الساخنة التي تعبث بشعره القصير، وكان يمسح بيده على الجسد المكتنز في حضنه بينما انساب ملمس الفرو علي كفيه وبين أصابعه، كان ملمس الأرنب أنعم من يد والدته التي أحاطت بيده تقوده للداخل، وكان هذا ما علق معه من الذكرى حتى اليوم:
لم يكن أبيض اللون، بل مشمشي.
- وأرانب الموت التي تراها الآن.. بيضاء؟
أومأ مهاب.
- حسنًا.. متى كانت أول مرة رأيت فيها أرنبًا أبيض؟
- يوم ماتت أمي، لم ينزلوا من السماء، بل وجدتهم في غرفتها، أزواج من العيون الحمراء تلمع تحت السرير، وعلى الأغطية، وحول جسدها الممدد، يلعقون ال.. الكدمات.. والجروح المتخثرة.
واستعادت يد مُهاب ذكرى يد عمته الطرية المبللة بالدموع، عندما سحبته من يده خارج الغرفة وأغلقت الباب على هذا الفصل من حياته، عندما كان له أم.
مسح مُهاب يده ببنطاله قبل أن يشبكها في وضعها السابق.
- وبهذا صرت ترى الأرانب عند الموت؟
أومأ مهاب.
- لكن لابد من حالات معيّنة، أليس كذلك؟ لن يموت شخص في أمريكا فتمطر السماء فوقك هنا، أليس كذلك؟
- لابد أن يكون شخصًا أعرفه، أكون قد قابلته ولو مرة، كالرجل الذي مات الأسبوع الماضي:
كنت أسير في الشارع عندما فتحت السماء أبوابها لتقذفني بالأرانب، حتى أن إحداها اصطدم بي،
- ودلّك كدمته بحركة سريعة- جريت أحتمي بمظلة الفكهاني عند ناصية الشارع، وهناك اصطدمت به، مجرد عابر لا أعرف اسمه ولا أظنني حتى التقطت ملامحه.
عَبَر الشارع وأتت السيارة من حيث لم ينتبه وهكذا - وفرقع مُهاب بأصابعه- حدث الاصطدام، وأغلقت السماء أبوابها بعد صعود روحه.
- هذا مريع! معرفة من سيموت حولك دائمًا.
- ليس دائمًا.. مات أبي ولم تنذرني الأرانب، وقبله بأشهر ذاك الجرّاح في شارعنا.
- وما تفسيرك؟
أخذ مُهاب نفسًا قصيرًا وزفر كلماته: فكرت بالأمر كثيرًا. لسنواتٍ ظننت الأمر خاصًا بأمي، لأنها ذبحت ذاك الأرنب.
قال الرجل: هل تعلم عدد من ذبحوا الأرانب في مصر وحدها؟
مُهاب نفسه تناول العديد منها قبل تلك المرة عندما كان في الثامنة وذهب بصحبة والديه للبَلَد، عندما أخطأت أمه الزاوية ورأى الأرنب انعكاس مصيره على السكين، فأطلق صراخًا بدا وكأنه يصدر عن كل عظمة منتفضة تحت جلده الرقيق، وتلوّى كعود أحرقته الصدمة، حتى ظن مهاب أن جسده سينفصل عن أذنيه التي أحكمت والدته قبضتها حولهما. توسّل يومها مرارًا أن تتركه، لكنها لم تفعل إلا بعد أن انتهت، وصمت الأرنب ومُهاب معًا. لم يأكل لقمة يومها رغم تهديد والده، ولم يأكل أرنبًا من بعدها أبدًا.
نقر الرجل بقلمٍ على المكتب ليعيد انتباه مُهاب: إذًا فقد أمطرت عند وفاة أمك وعند ذلك الفكهاني..
أكمل مُهاب عنه: وغيرهما الكثير، بهذا أدركت أن الأمر متعلق بأبي وذاك الجراح.. ما كان اسمه؟ عماد؟ هشام؟… كان سيء السمعة، كل من في الشارع كان متأكدًا أن عيادته تقوم بعمليات مشبوهة، وهناك شابة توفيت هناك بالفعل، لكن أحدًا لم يستطع إثبات الأمر، أتذكر والدها، رجل عجوز كان يجلس كل يوم أمام الرصيف المقابل للعيادة منذ أن تفتح أبوابها وحتى يرحل آخر مريض، دون كلمة واحدة، وكلّما رآى الطبيب علا صوته بالسباب والدعاء، وبعدها.. أنت تعرف كيف تجري الأمور.. مجموعة من البلطجية افتعلوا معه مشكلة ما، ولم يعد من يومها.
سأل الرجل: أتعلم كيف مات؟
- هشام.. أقصد عماد؟ سمعت أن الأخرق نسي آلة الحلاقة بجانب حوض الاستحمام. وهكذا ”غار في ستين داهية“ ولم أر أي أرنب يومها، هي لا تظهر لحثالة البشر.
انفرجت شفتا الرجل في البداية دون صوت ثم سأل: ووالدك؟
- أصدقك القول أراحني الاستنتاج هذا كثيرًا. فقد كدت أفقد أعصابي في العزاء عندما علّق جارنا الأستاذ فتحي، أن وفاة والدي يوم جمعة هي علامة حسن خاتمة.
صمت مُهاب لبرهة ثم سأل: لماذا يَفتَرض الناس حزن أهل الميت؟
- ربما لأنه الشعور السائد في كثير من هذه المناسبات!
- لكنني متأكد من أنهم لاحظوا الأمر، خاصة أستاذ فتحي، في النهاية نحن في عمارة، والحوائط أرق مما تبدو..
ثم عاد مُهاب يحدّق بالنافذة حيث سقط أرنب على الحافة، في البداية ارتفع على قدميه وكأنه يحاول طرق الحاجز الزجاجي، حتى أن مُهاب كاد ينهض ليفتح له، لكنه عدل عن رأيه وبقي يراقبه وقد ألصق وجهه الصغير بالزجاج، واستكان هناك يحرك أنفه وقد بدا وكأنه يحاول التقاط رائحة ما، ثم سرعان وما اصطدم به واحد آخر، فهوى الاثنان معًا إلى الأسفل.
- إذًا فحسب كلامك قتيل اليوم هو روح طيبة؟
أومأ مهاب.
فأطلق الرجل صوتًا حار مُهاب في تفسيره، ضحكة أم نوبة سعال: ”شِالله يا سيدنا!“
ثم نكّس الرجل الإطار على المكتب بحركة هشّمت الزجاج: ومن أنت لتحدد؟؟ ها؟؟ ولي من أولياء الله!!
- أنا أبعد ما يكون عن ذلك.. أنا كوالدي؛ شيطان. لن تمطر السماء لأجلي.
- شيطان مؤمن بكراماته إذًا!
ضحك مُهاب: كرامات فريدة من نوعها، تصيبك بالكدمات وتجعلك تمشي كالمجانين. تخيّل نفسك واقفًا بين بين أصدقائك عندما تقرر السماء فجأة أن تمطرك بالأرانب، فتركض مبتعدًا تحت أقرب سقف! دون تفسير.. وكيف لك أن تفسّر؟ هل تعلم كم لبثت في الجامعة من سنوات بسبب الامتحانات التي قرر طقسي الخاص أنني لن أحضرها!
سحب الرجل نفسًا عميقًا ونقر على المكتب بسبّابته نقرتين: يا بُني..لا تحكم على نفسك، أو على أحد، هذا مقصدي - وحوّل السبابة للأعلى- ربك أعلم.
أسند مُهاب ظهره على الكرسي بحرص حتى لا تطلق الكدمة شراراتها عبر فقرات ظهره:
كسرتُ بيضةً عندما كنت في التاسعة. تخيّل عقلي السيناريو المتوقع في حالة كهذه، أن أمي من ستثور لاضطرارها لامتصاص هذه البركة اللزجة، إلا أن أبي من تحطمت قشرته، وأطلق سيلًا زفرًا من السباب، فهو من كدّ و ”طلع ميتين أمه“ ليوفر لنا الغذاء، وهكذا كُسر سني إلى جانب البيضة، وحصلت أمي على كدمة تشبه - وياللسخرية -البيضة المسفوكة على الأرض.. أمي التي أمسكت بروح الأرنب بقبضتها حتى انتزعتها بالقوة من جسده؛ لم ترفع يدها مرّة أمام أبي لأجل روحها!
أخَذَ نفسًا قصيرًا وتابع: لم أستطع النظر لوجهها لأيام حتى زالت الكدمة، التي ظهرت في الأصل مكان أخرى سبقتها، وأفسحت المجال لأخرى قادمة.هكذا كانت حياتنا التي لم يحتملها جسد أمي كثيرًا، وبعدما أتممت التاسعة، أفلتت يدي وصعدت روحها، ووجدتني أكملها وحدي في مواجهته.
عبر الصمت بينهما لثوانٍ ثم أفسح المجال للرجل: لم تكن شيطانًا، بل طفلًا.
- وكيف تظنه مات إذًا؟ أبي؟
وكانت هذه المرة الأولى التي ينظر بها مهاب لعيني الرجل لأكثر من خمس ثوان، ثم أشاح ببصره نحو سماء ديسمبر وأرانب تتساقط، تتراكب، تصطدم ببعضها لتهوي ككرات من الفلين، وأكمل: في الليلة الأولى بعد موت أمي، وبعد انتهاء مراسم الدفن والعزاء، كان أبي واقفًا في البلكونة يدخن، وقفت أراقبه، لا أعلم ما كنت أراقب، ربما كنت بانتظار انقشاع الغمامة وحلول الذنب.
التفتَ إلى يومها عندما أحس بي وقال بالحرف: ”لم أتخيل أن تصل الأمور لهذا الحد.“
وكانت جملته المسمار الذي ثبّت لوحةً رسمها الشك داخلي لما حدث يومها. ورغم ذلك انتظرت، خاصة وأنه توقف عن ضربي بضعة أسابيع، لكن عمّتي لم تنتظر أكثر من شهرين حتى أتت تجر زوجةً جديدة إلى المسلخ، رَحمة؛ فتاة يتيمة من البَلَد، لأنه ”مينفعش تفضل كده“ و ”الولد محتاج ست تربيه“.
الحق أني أحببتها، كانت تكبرني بخمسة عشر عامًا تقريبًا.. طيبة وغلبانة، ولأنها تعلم معنى اليُتم، لم تبخل علي بكل ما فقدت. دام الحال شهرًا واحدًا فقط ، حتى انقطع الخيط الذي كان يمسك بيد والدي، وهوّت علينا قبضته بثقلها مرة أخرى.
أذكر جيدًا ذلك اليوم، عندما كنت في الثانوية، في سنتي الأخيرة، وكنت أنظر عبر شبّاك الفصل، حيث لاحت لي السماء ملبدة بالغيوم، تجمدت يومها، وغاب الفصل بكل ما حولي عن عيني، وعلت نبضاتي حتى غطت على صوت معلمي، وتباطأت أنفاسي تحت وطأة ثقلها، أغمضت عيني وأنا أتخيل رَحمة ممدة على بلاط المطبخ، أو غارقة في دمائها أسفل السلّم كأمي، ولم أفتح عيني إلا عندما صفعتني قطرات الماء، غمرتني الراحة وتيقنت أن السماء تمهلني فرصة أخرى، لأنهي بيدي هذا الفصل الذي طال كثيرًا ، قبل أن تسكب الموت فوق رأسي مرة أخرى.
عدت يومها لأجد رَحمة في المطبخ تعد فنجان قهوة المساء لأبي، والذي لم يكن لينام قبل أن يرتشفه بصحبة سيجارته، أقنعتها بأن تخلد للنوم باكرًا، فقد كانت ذراعها ترتجف إثر كدمة جديدة حاولت أن تغطيها بكم جلابيتها ما أن دخلتُ المطبخ، نظرت إلي وأطاعتني في صمت، وهكذا أعددت أنا قهوته الأخيرة.
بقيت في غرفتي منتظرًا رسالة السماء في تلك الليلة، إلا أنها لم تمطر، أمضيت ليلة كابوسية ظننت فيها أنني أخطأت الجرعة، وأنني سأستيقظ لأجد جيشًا أبيضًا من رجال الشرطة عوضًا عن صف أسود من المعزّين، إلا أن صرخة رَحمة صباحًا كانت المنبّه الذي أيقظني على حياة بلا أبي، وهكذا رحل بلا أرانب.
ظل الرجل ينظر إليه، ينتظر ما يدل على الهزل، وعندما طال الصمت رفع يديه ولم تتغير ملامح مُهاب، نطق الرجل: طيب.. طيب.. عماد ذاك، وأبوك، حالتان، ليس هذا بإثبات كافي.
- هناك أمثلة أخرى لو تملك الوقت..
رفع الرجل أصبعه في وجه مُهاب: الأرانب ليست علامة حسن الختام.
- لم أقل ذلك، أنا فقط أشاركك استنتاجي.
- لا منطق فيما تقول! ألا تسمع نفسك؟!
ضحك مُهاب: ألا ترى أين نحن، أي منطق تنتظره مني؟
- وماذا لو كنتَ مخطئًا؟
انحنى مُهاب للأمام: لاحظ أنك تجادلني في معنى الأرانب، وليس في منطق ظهورها من الأساس؟
خبط الرجل بيده المتعرقة على المكتب: لأن وغدًا مات اليوم.. وأنت تخبرني أن السماء تمطر لأجله!
ظل ينظر لمُهاب فترة، ثم دفن وجهه في كفيه متمتمًا: يا إلهي.. هل أخطأت.
- لم أقل أن السماء تمطر لأجله.. فقد استحق دكتور هشام ما حدث، هذا ما أحاول قوله منذ البداية!
ارتد وجه الرجل عن كفّيه حتى كشف عن دمعٍ نوى إخفاؤه، وشهق: كيف..؟
أشار مهاب لباب المكتبة الزجاجية خلف الرجل، فهناك على الزجاج تكشّف المشهد أمامه منذ لحظة وصوله: جثة الدكتور هشام المكوّمة كملابس وسخة تحت المكتب، ورأسه الملتوي ينظر لقدمي قاتله، وانعكاس نظرته الخاوية تحدق في مهاب عبر الزجاج طوال الوقت.
التفت الرجل لانعكاس ما فعل، ثم هبطت كتفاه وعاد بظهره للوراء: كنت تعلم.. فلماذا بقيت؟
- ملامحك، وجهك ذكّرني بليلة عزاء أبي، عندما رحل الجميع وبقيت وحدي وما فعلت، قِبال بعضنا.. إنها الساعة الأصعب.
خرج صوت الرجل متذبذبًا كشفتيه: أتيت وأنا على يقين، ومستعدًا للقسم على حياتي بأن هذه هي العدالة، ثم وبعدها.. رأيتها تنظر إلي..
ولوّح بالإطار في يده حيث صورة ابنة الدكتور: لديه ابنة.
- لو كنت مخطئًا، لو كان الدكتور صالحًا، كانت السماء لتتوقف، لكنها لم تفعل.
التفت الاثنان نحو النافذة، أحدهم يراقب المطر، والآخر يتخيله.
سأل مُهاب: هل كنتَ مريضًا عنده؟
عاد الرجل بظهره للخلف محدقًا بالجثة عند قدمه: بل مريم.. ابنتي، كانت تأتي إلى هنا حتى الصيف الماضي.
- مهلًا! أهي الفتاة ذات الشعر الأسود، وقرطان يتدليان من أذنيها، قمرٌ ونجمة؟
رفع الرجل رأسه بسرعة: أتعرفها؟
- لا.. اصطدمت بها وهي تندفع من العيادة، لم تكن على ما يرام.. كانت ترتدي فستانًا أزرق بطبعات زهر بيضاء..
خرج صوت الرجل ضعيفًا بين شهقاته المتتابعة: كان هذا ما ارتدته.. يوم.. تركتني.
أكمل مُهاب: أذكر أن الدكتور لحق بها، ولكنه توقف ما أن رآني، تلعثم، وعاد أدراجه.. أما هي فجلست على السلم، لم تكن تبكي رغم أنها كانت تصدر نحيبًا كالبكاء، أخذت تحدق بما حولها وكأنها ترى كل شيء للمرة الأولى، أذكر أنني كلمّتها، لكنها لم تجب، أو بالأحرى لم تنفذ كلماتي خلالها، كانت مصمتة تمامًا.. ورحلت. أتذكرها جيدًا لأن السماء لم تتوقف يومها عن المطر وظللت حبيس المبنى حتى التاسعة مساءًا.
نهض الرجل واقترب من النافذة: كانت كل ما أملك، مع ذلك لم ألحظ الأمر، كانت روحها تنكمش، تغادر أطرافها، حركاتها، نظراتها حتى في يوم ما استيقظت دونها، وبقيت أراقب الجسد فقط يتحرك، يمضغ الطعام، يتمتم بكلماته آليًا، وفي تلك الليلة أخبرتني بأنها ستقصد هشام هذا في موعد، وظننت بغبائي أن استمرارها في الذهاب علامة طيبة، أنها لاتزال تحاول التمسّك بالحياة.. ولكن كان هناك جزء منها يختفي مع كل زيارة.
وفي لحظة نادرة من حياة مُهاب، تغلّب فضوله على لسانه: ماذا فعل بها؟
التفت الرجل برأسه ينظر إلى قتيله: هل يهم؟
شعر مُهاب بوخزة حرج، وهزّ رأسه نافيًا.
عاد الرجل ينظر للنافذة وخرج سؤاله: إذًا.. لمن تمطر سماء اليوم في ظنك؟
- لا أدري، ربما عابر ما، فقد تقلص عدد من أعرفهم بشكل خاص كما ترى.
سأله الرجل: وماذا عن رَحمة؟
- رحلت يوم وفاة أبي متنازلًا لها عن المنزل، لم أكن لأعيش فيه يومًا آخر، ولم أرها منذ يومها، يكفيها ما رأت مني طوال السنوات الماضية.
سأله: وعمّتك؟
- في البَلد ترعى جدتي الصامدة حتى الآن في وجه الموت الذي يطرق بابها كل حين..
وهنا فقط طرأ على بال مُهاب خاطر أن تكون أمطار الأرانب هذه لإحداهما!
انتشله سؤال الرجل من أفكاره : ولماذا أتيت اليوم.. هل كان لديك موعد؟
-لا.. أنا أعمل في المختبر في الطابق السادس.
- ألم تجرب يومًا أن تأخذ موعدًا؟ لربما ساعدك.. شخص - ودفع ذراع الميت بقدمه- غير هذا بالطبع.
دغدغت المفاجأة مُهاب فأطلق ضحكة قصيرة: أنا؟ أبدًا.
وكان هذا دور الرجل ليومأ بصمت، ثم عادت شفتاه للحركة: سؤال أخير.. هل لا تزال تمطر؟
أومأ مُهاب: أجل.
- شكرًا.. طمّنتني.
جلس مُهاب يراقب انقشاع ذلك التعبير الذي رصده صباحًا على وجه الرجل، وصفا وجهه، وخيّل إليه انحناءة أقرب لابتسامة على شفتيه. وعندما حسب أنه أتمّ ما جاء لأجله بنجاح، نهض من مكانه وتوجه نحو الباب، وقبل أن يخرج من العيّادة هبّت ريح قوية وباردة فجأة، ضربت بالأوراق الموجودة عرض الحائط، وتطايرت صفحات المجلات في جنون. عاد مسرعًا للداخل حيث وجد النافذة مفتوحة، والهواء يلكم الشيش الأزرق ليرتطم في الحائط بقوة، وعلى حافتها وقف الرجل بقميصه المخطط ظهره لمهاب ووجهه للسماء، بينما تهوي الأرانب عليه متشبثة بقميصه. ركض مهاب ومد ذراعه فلم يمسك سوى الريح، فقد هوى الرجل والأرانب إلى الأسفل.
تراجع مُهاب حتى اصطدم بزاوية المكتب، أمسك رأسه وأغلق عينيه، وعندما عاد وفتحهما، اتسعتا، وانعكس في سوادهما -أخيرًا- سماءًا صافية، بلا أرانب!

تختلف التدوينة حسب المعادلة