لعنة الأفكار المهجورة
س= هواجس
لطالما كان التهديد الأشهر على أي طاولة طعام مصرية أصيلة هو:" الأكل اللي حتسيبه، حيجري وراك يوم القيامة". وبغض النظر عن الإشكالات الدينية والمنطقية لتهديد كهذا؛ فقد تذكرته قبل بضعة أيام، بينما أتصفح دفترًا من الكومة الموجودة في مكتبتي، وتساءلت: "إذا كان الأكل المتساب حيعمل فينا كده؛ أمال الأفكار المتسابة حتعمل فينا ايه؟!"
ولمن لا يعرفني شخصيًا أحب أن أوضح، أن عدد الأفكار والمشاريع "المتسابة" التي دوّنتها، أو اقترحتها على الأصدقاء والزملاء، بل وبدأت بعضها، يفوق عدد الأكل المتبقي في صحوني على مدار عمري، بأضعاف!
فلو نظرت فوق مكتبي يمينًا، ستجد ميكروفون اشتريته لأجل بودكاست كنت قد قررت إطلاقه بل وسجلت الحلقة الأولى منه، ثم توقفت. وانظر يمين الغرفة، إلى المكتبة البيضاء، أترى هذا الرف؟ هذه الكومة من الدفاتر تحوي بدايات روايات وقصص مختلفة لم أنجز منها سوى بضعة فصول. حتى هاتفي الذي أحمله، فيه ملف يحوي بدايات جمل لم تعرف للنقطة طريقًا، وبذور أفلام ومقالات وقصص قصيرة، بل ومشروع نادي كتاب، ومجلة. كل هؤلاء تطاردني أرواحهم من أجل الاكتمال. وأشعر بنظراتهم الناقمة مسلطة علي في كل مرة أجلس على مكتبي لأنجز مشروعًا آخر، حتى أنني أسمع مصمصة شفاههم وهم يتلامزون فيما بينهم: "مِسِم! مهي بتعرف تشتغل اهي".
الأفكار غير المكتملة بمثابة أرواح عالقة، لم تُولد ولم تُوأد. تسكن عقلي، وتخرج من وقت لآخر لتشعرني بالذنب، وأحيانًا بالخوف. أن أكون ضيعت على نفسي فرصة لا تعوض، أنني فوّت لحظة ذهبية لفكرة كانت لتنجح، وتغير من حياتي، لو امتلكت العزيمة الكافية. وحرت بم أتهم نفسي، أبالخوف، أم الكسل؟ هل كنت أهرب من هذا الوليد الذي سأتحمل قرار إنجابه للعالم؟
ثم في لحظة تصالح نادرة مع الذات بين أصوات الجلد المستمرة؛ تذكرت كل الأفكار التي نفذتها، واكتشفت أن المشكلة لم تكن الكسل أو الهروب، بل غزارة أفكاري، تنوعها وتشتتها في كل اتجاه. ولأن وقتي أصبح أثمن من أي مرحلة مضت؛ صار التجاهل أسهل. لا أملك الوقت لتنفيذ كل فكرة، فإن كان "صاحب بالين كذّاب"؛ فصاحب ألف بال أفّاك . وبالتالي كنت أختار في كل لحظة أن أحبس بضع أفكار، لتولد فكرةٌ مكتملة. أما بقية الأفكار فكرّمتها، واشتريت لها دفترًا صغيرًا من الجلد البني، أشتري حقائبي رجوعًا لحجمه، لكي يصحبني في كل وقت. وكانت هذه نصيحة العراب أحمد خالد توفيق رحمه الله في مقالته " القصاصة مازالت في جيبي"، عندما سُئل عن سر غزارة أفكاره؛ فأجاب أنه يدون كل فكرة أو جملة تخطر في باله خلال يومه، فينتهي به الأمر إلى ملف فيه ما يقارب مئتي فكرة، ليفتحه عند الحاجة، ينتقي ما يناسبه، ويمضي بها نحو الاكتمال.
هنا تغيّر منظوري، من حسرةٍ على أفكار متروكة، إلى استثمار في حسابِ ادخار مُلهم، سينفعني في يوم أسود، حين أصاب بحبسة "يكفينا ويكفيكم الشر"، أو حين يهاجمني الجلاد في عقلي متهمًا إياي بسخافة الأفكار. هنا سأعود للدفتر، سأفتحه وأبحث فيه عن الجملة، البذرة المختارة التي سأنتشلها، لتنتشلني من الضياع. واخترت الإيمان أن لكل فكرة ساعة ميلاد، عندما تأتي سأعرف، وستخرج للنور، رغمًا عني، وكله مقدّر ومكتوب.
وبهذا القرار سَكَن ضميري واطمأنت نفسي.
والله الموّفِق والمستعان

تختلف التدوينة حسب المعادلة